«المسألة الكبرى»… حين اختلفت صورة الثورة على الشاشة عن ذاكرة الناس
كلما أعود إلى فيلم «المسألة الكبرى» (1983)، أشعر أن حكايته لم تنتهِ عند آخر مشهد. فهذا الفيلم، الذي أراد أن يقدّم صورة كبيرة عن تاريخ العراق، ترك وراءه أيضاً أسئلة عن كواليس إنتاجه، والوقائع التي اختار إظهارها، والوجوه التي بقيت خارج حكايته. ولا يزال الجدل الذي رافقه دليلاً على أن السينما التاريخية لا تدخل ذاكرة الناس بوصفها فناً وحده؛ بل تدخله وهي تحمل تفسيراً للأحداث أيضاً.
مشروع ضخم في زمن لم يكن هادئاً
أخرج الفيلم محمد شكري جميل، وجمع ممثلين عراقيين وبريطانيين، أبرزهم أوليفر ريد وهيلين ريان ومارك سيندن، إلى جانب غازي التكريتي ويوسف العاني وجعفر السعدي وفاطمة الربيعي وسامي قفطان وقاسم الملاك وآخرين. وشارك لطيف جريفاني في إنتاج هذا العمل، بينما وضع رون غودوين موسيقاه. كان الطموح أن يصل الإنتاج السينمائي العراقي إلى مستوى يسمح له بمخاطبة جمهور خارج حدود البلاد.
لكن الكاميرات تحركت على أرض مضطربة. فقد تزامن جانب من التصوير مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية سنة 1980. وشهد العمل صعوبات في انتقال المعدات والعاملين، وانقطاع بعض عناصر الطاقم بسبب ظروف الحرب. ورويت أيضاً تفاصيل عن تصرفات أوليفر ريد وما تركته من ضغوط على الإنتاج. حين نسمع هذه الشهادات، ندرك أن بعض المعارك التي خاضها الفيلم كانت خلف الكاميرا، قبل أن تكون أمامها.
وتتذكر الفنانة فاطمة الربيعي، التي شاركت في «المسألة الكبرى» بدور زوجة الشيخ ضاري، أن الفيلم حصل على جائزة أولى في لندن بوصفه أفضل فيلم سينمائي. وقد ورد هذا على لسانها في شهادة صحفية منشورة سنة 2017، كما تذكر كتابات عن محمد شكري جميل حصول الفيلم أو مخرجه على تكريم في لندن سنة 1984، وإن اختلفت تلك المصادر في اسم الجائزة. هذه الشهادات جزء من تاريخ استقبال العمل، وتستحق الحفظ والتوثيق، على أن يبقى تحديد اسم الجائزة الرسمي وتاريخها خاضعاً لمراجعة الأرشيف البريطاني.
شارع الرشيد… حين بدت مظاهرة الفيلم حقيقية
يروي الإعلامي العراقي محمد الناصر، في حوار تلفزيوني جمعه بالفنانة فاطمة الربيعي، حكاية من طفولته قرب محل والده في شارع الرشيد بمنطقة الحيدر خانة. شاهد تجمعاً ومظاهرات أثناء تصوير أحد مشاهد «المسألة الكبرى»، فظن أن ما يجري حقيقي، وركض إلى أبيه يخبره بما رأى. لكن والده ضحك، لأنه كان يعرف أن أصحاب المحال أُبلغوا بوجود تصوير سينمائي. إنها شهادة لمحمد الناصر عن مشهد عاشه طفلاً، وليست واقعة عاينتها أنا.
هذه الحكاية الصغيرة تختصر مفارقة جميلة: كان الفيلم يستعيد تظاهرات زمن الاحتلال البريطاني، بينما يرى طفل بغداد الكاميرا والممثلين من الرصيف فيظن أن الحدث يقع في زمانه هو. وربما كانت تلك القدرة على الإيهام واحدة من نقاط قوة المشروع البصرية.
حين يصبح اختيار البطل اختياراً لرواية التاريخ
مع كل ذلك، أرى أن أهمية «المسألة الكبرى» لا تلغي الحق في مناقشة طريقته في عرض ثورة العشرين. فقد منح الفيلم مساحة محورية للشيخ ضاري المحمود، وهو شخصية ذات دور تاريخي، لكن بعض أبناء الفرات الأوسط رأوا أن مكانة شعلان أبو الجون وشخصيات أخرى، وكذلك مواقع انطلاق المواجهات وأحداثها، لم تحظَ بما تستحقه في المعالجة الدرامية.
المشكلة في رأيي ليست أن يختار الفيلم شخصية يتتبعها؛ فهذا أمر تقتضيه الدراما. المشكلة تبدأ حين يشعر جمهور يعرف تاريخ المكان أن اختيارات السيناريو تتحول، من حيث الأثر، إلى صورة ناقصة للثورة. بين حق المخرج في بناء الحكاية وحق الذاكرة في طلب الإنصاف، بقي النقاش مفتوحاً.
ما الذي جرى عند عرض الفيلم في السماوة؟
ترد في شهادات متداولة، بينها مقالات منشورة عن تاريخ ثورة العشرين، حكاية اعتراض بعض الحاضرين في المثنى على طريقة تناول الفيلم لأدوار رجال الفرات الأوسط، مع أهزوجة شعبية نُسبت في إحدى الروايات إلى الشاعر حداوي الظالمي. وليس هذا الخبر تجربة شاهدتها بنفسي؛ فقد تناولته شهادات وأبحاث لاحقة تختلف في بعض التفاصيل.
ومن أشهر ما نُقل في هذا السياق مطلع الأهزوجة: «لو شعلان يدري انباگت الثورة». وهي جزء من الذاكرة الشفوية المصاحبة للجدل حول الفيلم، لا وثيقة مستقلة تثبت واقعة العرض بالتفاصيل المنقولة.
لم أجد في المصادر المتاحة محضراً معاصراً من دار السينما أو تقريراً مستقلاً يثبت تفاصيل الهتاف أو قراراً رسمياً بوقف العرض بسببه. لذلك أذكر هذه الحكاية بحذر، لا باعتبارها واقعة محسومة، وإنما مثالاً على كيف يمكن لاختيارات السينما التاريخية أن تثير نقاشاً عاطفياً حول ذاكرة المدن والعائلات.
تفاصيل صغيرة تصنع صدقية الزمن
ومثلما أناقش اختيار الشخصيات، أرى أن الدقة البصرية كانت تستحق مزيداً من العناية. في قراءتي للفيلم، هناك ملاحظات على الأزياء وبعض مواقع الترفيه الظاهرة في المشاهد، وعلى أسلوب تقديم حضور الجنود البريطانيين مقارنة بما نعرفه عن طبيعة السلطة في تلك الحقبة. وقد تبدو بعض هذه التفاصيل عابرة لمن يشاهد الفيلم للتسلية، لكنها ليست عابرة لمن يدقق في صورة بغداد وزمن ثورة العشرين.
حتى الحوار يفتح سؤالاً فنياً. فهناك مقاطع نُطق فيها حوار باللهجة العراقية على لسان أوليفر ريد، وأرى أن دبلجة تلك المقاطع بصوت متقن ربما كانت ستساعد على حفظ إيقاع المشهد وصدقيته. وهذا تقدير فني مني، لا حكم نهائي يلغي أداء الممثل أو أهمية مشاركته.
فيلم يستحق أن نختلف حوله
لا يمكن اختزال «المسألة الكبرى» في اعتراض على السيناريو أو خطأ في تفصيل تاريخي. لقد كان تجربة إنتاجية غير مألوفة في السينما العراقية، امتلكت صوراً ومشاهد وموسيقى وطموحاً كبيراً. وفي الوقت نفسه، فإن ضخامة الإنتاج لا تعني أن كل اختيار درامي أصبح فوق النقد، ولا تمنعنا من سؤال: من حضر من رجال الثورة على الشاشة، ومن غاب؟
أحب أن نستعيد الفيلم بهذه الروح: نقدّر العمل الذي صُنع في ظروف صعبة، ونستمع إلى شهادات المشاركين والشهود، ونميّز بين الخبر الموثق والذاكرة الشفوية، ثم نترك للمشاهد حق الاختلاف. فالسينما العراقية تستحق أن نحتفظ بأعمالها، وأن نتحدث عنها بلا مجاملة ولا إلغاء. وربما كانت «المسألة الكبرى» أكبر من الفيلم نفسه؛ لأنها ما زالت تدعونا إلى نقاش كيف نروي تاريخنا.