انتقل إلى المحتوى الرئيسي
احفظ ما شاهدته • قيّم • تابع الفنانين • ساهم بتصحيح السجل سجّل مجانًا
من ذاكرة السينما العراقية

حين ظن الناس أن راسم الجميلي تزوج سعاد عبدالله

بقلم مجيد حداد من كواليس فيلم عمارة 13

«يا زرع، كافي تهنجل... إشكد ما تكبر يجيك المنجل». كنت أسمع هذا المثل الشعبي وأتأمل معناه: مهما طال الزرع ومال مع الريح مختالًا، فلا بد أن يأتي يوم يحصده فيه المنجل. وكلما استعدت وجوهًا عرفتها في زمن السينما، وأيامًا ظننا أنها لن تمضي، عاد إليّ هذا المثل. ومن بين تلك الذكريات حكاية زفاف لم يكن زفافًا حقيقيًا، لكنه كاد يقلب موقع التصوير رأسًا على عقب.

أعود بذاكرتي إلى نحو عام 1985. كنت يومها شابًا في التاسعة عشرة تقريبًا، حين تواصل معي القائمون على تصوير فيلم «عمارة 13» وطلبوا مساعدتي في نقل فرقة «المزيقة» إلى موقع التصوير. و«المزيقة»، كما نسميها في العراق، هي مجموعة العازفين الذين يرافقون الأعراس والمناسبات السعيدة بآلات النفخ والطبول. كانت لدينا سيارة بيك أب بيضاء تابعة لمعمل والدي، فخرجت مع أخي، ولم أكن أتوقع أن هذه المهمة البسيطة ستتحول إلى ذكرى تلازمني كل هذه السنين.

كان الفيلم من إخراج الراحل صاحب حداد، ويشارك فيه راسم الجميلي وسعاد عبدالله وجلال كامل، ومن الوجوه التي حضرت أيضًا الفنانة فريال كريم، إلى جانب آخرين. وكنا نستعد لتصوير مشهد زفاف يجمع راسم الجميلي وسعاد عبدالله؛ هو ببدلته الرسمية، وهي بملابس العرس، و«المزيقة» تنتظر إشارة البدء. كل شيء كان يحتاج إلى توقيت دقيق، ولا سيما وصول السيارة التي ستقلهما في الزفة.

صورة من المقالة
لقطة من فيلم عمارة 13 راسم الجميلي وسعاد عبد الله

لكن سيارة الزفة البيضاء، وكانت من سيارات «السوبر» المعروفة آنذاك، تأخرت. وبقي النجمان ينتظران في مكان مكشوف قرب ساحة الحرية، قبالة «مرطبات الفقمة». كانت الساحة وقتها واسعة، ولم تكن مقسمة على نحو ما عرفناه لاحقًا. ولم تمضِ دقائق حتى بدأ المارّة يتوقفون، ثم أخذت الأعداد تتزايد، وارتفعت الأصوات: «راسم تزوّج سعاد عبدالله!».

تخيلوا المشهد: اثنان من أشهر الوجوه التي يعرفها الجمهور، بملابس العرس، يقفان في ساحة عامة، ومن حولهما أناس يصدقون أن ما يرونه زواج حقيقي، لا لقطة من فيلم. كان بعضهم يريد الاقتراب للتهنئة، وبعضهم يكتفي بالصياح، وآخرون يدفعهم الفضول إلى البقاء. خلال وقت قصير صار الازدحام يمنع الكاميرا من العمل. لم يعد في الإمكان تصوير المشهد كما خُطط له.

صورة من المقالةسيارة الشرطة العراقية في الثمانينيات

كنت أتحدث إلى مدير الإنتاج، وهو ينقل ما أقوله إلى المخرج. قلت له إن الجمهور لن يتفرق بهذه السهولة، واقترحت الاستعانة بدوريات النجدة لتنظيم المكان وإبعاد الناس قليلًا حتى نتمكن من التصوير. حضرت دوريات فعلًا، لكن المفارقة المضحكة أن بعض رجال النجدة تركوا سياراتهم واقتربوا هم أيضًا ليتابعوا التصوير! كان الجميع يريد أن يرى راسمًا وسعاد عن قرب.

حاول العاملون على الفيلم إخفاء النجمين مؤقتًا في إحدى العمارات القريبة من مستشفى الزهراء، لكن الناس ظلت تبحث عنهما. وفي النهاية نُقلا بسيارة أخرى إلى مقر شركة بابل السينمائية، بعيدًا عن التجمع، ريثما تهدأ الفوضى وتُفتح الشوارع من جديد. أما نحن فبقينا ننتظر أن يأتي الوقت المناسب لإكمال العمل. ولم يكن أمام المخرج إلا أن يعيد ترتيب المشهد ويواصل التصوير في موقع آخر.

انتقلنا إلى «عمارة 13» نفسها، عند مدخل العرصات، في أول فرع على اليسار. وهناك كانت لقطة تتطلب أن يسقط راسم الجميلي على الأرض، فوُضع فراش في مكان السقوط كي لا يتأذى. كنا نظن أن الموقع الجديد، وخصوصًا في ساعات الليل المتأخرة، سيكون أهدأ وأسهل للعمل. لكن حساباتنا لم تصمد طويلًا.

صورة من المقالة
لقطة من فيلم عمارة 13

كان الجو حارًا، وأذكر أننا صورنا في الصيف، ربما في حزيران أو تموز. تجاوز الوقت الواحدة بعد منتصف الليل، وكانت الأزقة ساكنة والناس في بيوتها. بدأنا نعزف ونضرب الطبول، وتحركنا مع سيارة الزفة لنصنع الجو المطلوب أمام الكاميرا. لم تمضِ فترة طويلة حتى خرج بعض السكان، وتجمع آخرون من الشوارع المجاورة؛ وربما بلغ عددهم مئة أو مئتين. عادت الهتافات والضوضاء، وعادت معها المشكلة نفسها.

لم يستطع صاحب حداد أن يتخلى عن المشهد؛ كان يريد أن يربط حركة الممثلين بالموسيقى ووصول السيارة، وأن تكون اللقطات متصلة كما ينبغي. لهذا أمضينا ثلاث ليالٍ تقريبًا نعيد أجزاء من الزفة. كنا نعود بالقمصان والسراويل نفسها مراعاةً لاستمرارية المشهد، ونعزف من جديد، ثم نتوقف حين يشتد الازدحام، وننتظر فرصة أخرى. وفي إحدى الليالي خرج رجل من بيته مستغربًا أن يجد أولئك الممثلين أمام بابه. كانت تلك المنطقة، قرب حلويات أبو عفيف، مختلفة تمامًا عما صارت إليه اليوم.

على الرغم من التعب وطول الانتظار، لم تكن الأيام ثقيلة على قلبي. كنا نضحك كثيرًا مع العازفين، ونتبادل النكات بين المحاولات. وبعد أن انتهى عملنا، حصل كل واحد منا على خمسين دينارًا عن الأيام الثلاثة. قد يبدو المبلغ اليوم مجرد تفصيل صغير، لكنه بقي حاضرًا في ذاكرتي، مع السيارة البيضاء والموسيقى وأصوات الناس.

صورة من المقالة
لقطة من فيلم عمارة 13

كل هذا جرى في سنوات الحرب العراقية الإيرانية. كانت الإمكانات محدودة، وكان على فريق العمل أن ينجز مشاهد تحتاج إلى جهد وتنظيم وصبر. وما زلت أذكر صاحب حداد بإعجاب؛ فقد كان يعرف المونتاج جيدًا، ويبحث عن طريقة لإنقاذ المشهد مهما تعثرت الظروف. لكن ما واجهناه كشف أيضًا صعوبة التصوير في مكان عام حين لا يدرك الجمهور مقدار المساحة والهدوء اللذين يحتاج إليهما الممثلون والفنيون.

ومع مرور الأعوام، تغير معنى تلك الذكرى في نفسي. أتذكر سعاد عبدالله وهي تدخل مشهد الزفة بحيويتها وجرأتها الفنية، ثم أتذكر كيف رأيتها بعد سنوات، في مشهد حزين عند المقبرة، وقد بدت عليها آثار الفقد وهي ترتدي عباءة سوداء. لم أرَ في الصورتين تناقضًا؛ رأيت حياة الإنسان بكل ما فيها من فرح وحزن، ورأيت كيف يمر الزمن على الوجوه التي كانت تملأ الشاشة بهجة. وأستعيد كذلك راسم الجميلي وأصدقاءنا الذين غاب بعضهم، فأشعر أن أيام التصوير لم تكن مجرد عمل، بل كانت فصلًا من أعمارنا.

أؤمن أن السينما العراقية امتلكت، وما تزال تمتلك، طاقات تمثيلية وفنية كبيرة. لكن الموهبة وحدها لا تكفي؛ فالنص الجيد والسيناريو القادر على منح الممثل مساحة حقيقية لا يقلان أهمية عن الكاميرا والإخراج والإنتاج. كلما تذكرت ما بذله العاملون في تلك السنوات، تمنيت أن تجد هذه الطاقات الأعمال التي تليق بها.

بعد كل تلك الأعوام، ما زلت أسمع وقع الطبول، وأرى سيارة الزفة تتأخر والناس يهرعون وراء راسم الجميلي وسعاد عبدالله وهم يظنون العرس حقيقيًا. أبتسم كلما تذكرت ارتباكنا، ثم أتأمل ما فعلته السنوات بنا. هكذا تعود إليّ حكمة المثل القديم: لا يبقى لنا من تلك الأيام إلا الحكايات التي ننقذها من النسيان.

المصدر الأصلي

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.

سجّل الدخول وأكّد بريدك لتكتب تعليقاً